محمد غازي عرابي

678

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

انفصال بل هو حضور نوراني وجودي تكشف عنه المكاشفة ، وإنسان كهذا لا نفس له لأنه عرف يقينا أن نفسه هو ، وأن نفسه صورته ، وأنه هو هو ، وأنه كما مع الذات الخالصة في هوية واحدة . . ولهذا كان مشي الموحد على بطنه أي على باطنه ، أي يكون مشيه باللّه ، وهذا ما عبر عنه الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . والإنسان الذي يمشي على رجلين هو الإنسان العادي الذي يلي في المرتبة الإنسان المكاشف المسمى في القرآن عبدا وعبدا صالحا . . . أما الآخر فهو يمشي على رجلين ، والرجلان إشارة إلى تركيب البنية الإنسانية من الخالد والفاني ، الحقي والخلقي ، والكلي والجزئي ، الإلهي والحيواني ، أي أن هذا الإنسان هو مظهر اسم اللّه الظاهر ، وهو ما عبر عنه في الفلسفة بأنه حيوان ناطق . . . فأما جانبه الحيواني فيتبع الدواب ، وأما جانبه النطقي فيتبع النفس الناطقة الإلهية الشريفة التي اتخذت الإنسان لها محلا للمكالمة والخطاب ولتحقيق فعل الأمر الإلهي . ومن يمشي من الناس على أربع فهؤلاء الذين يمثلون تعينات الخواطر الأربعة النفسية والشيطانية والملكية والإلهية ، فهذا الإنسان قطار لهذه الموجودات الإلهية التي تفرق ذات اليمين وذات الشمال ، لأنه لا يخرج شيء على مشيئة اللّه ولهذا ختمت الآية بأن اللّه يخلق ما يشاء وأنه على كل شيء قدير . والإنسان الذي يمشي على أربع جاهل أربعته ، وهو أسير خواطره ولا يعلم . . أما من يمشي على رجلين فهو المحسن الذي دخل الإيمان في قلبه فنوره فرأى ليلة قدره ، وعرف قدره ، وعرف أنه مزيج من الإلهي والحيواني أي أنه ابن آدم الذي علم الأسماء الحسنى . ومن يمشي على بطن هو بيت القصيد ، فهو المحقق الموحد الفاني والباقي باللّه ، فهو المصطفى والمجتبى ، وهو ممثل الإنسان الكامل في الخليفة ، وهو وريث النبوة ، وهو الخليفة على التحقيق ، وهو الذي يرث الشهادة فهو المشاهد بكسر الهاء والمشاهد بفتح الهاء ، وهو الدرة الفريدة والجوهرة اليتيمة من تاج الوجود العظيم ، قال عبد الكريم الجيلي في الشهادة : والشهادة الأعلى شهود الحق تعالى بعين اليقين في سائر مخلوقاته فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوقات فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال ، بل بما أخبر به سبحانه بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، وقال في وسع الخلافة : وسع الخلافة التحقق بأسمائه وصفاته حتى أنه يرى ذاته ذاته ، فتكون هوية الحق عين هوية العبد ، وأنيته عين أنيته ، واسمه اسمه ، وصفته صفته ، فيتصرف في الوجود تصرف الخليفة في ملك المستخلف .